UNSILENCED.

اتفاقية سايكس–بيكو: التقسيم الاستعماري للمشرق

مرجع موثق لاتفاقية سايكس–بيكو السرية عام 1916، ومفاوضيها وخريطتها ومناطق النفوذ البريطانية والفرنسية وأثرها في الانتدابات وحدود المشرق.

اتفاقية سايكس–بيكو: التقسيم الاستعماري للمشرق
Wikimedia Commons / Wikipedia — Sykes–Picot Agreement

كانت اتفاقية سايكس–بيكو معاهدة استعمارية سرية أُبرمت عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا القيصرية ثم إيطاليا، لتوزيع السيطرة والنفوذ في أقاليم الدولة العثمانية الآسيوية بعد الحرب العالمية الأولى.

لم ترسم الاتفاقية معظم حدود الشرق الأوسط الحالية حرفياً، لكنها حوّلت بلاداً يسكنها العرب وغيرهم إلى مناطق قابلة للمساومة بين إمبراطوريات أوروبية. حملت اسم الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو، وتقاطعت مع مراسلات حسين–مكماهون ووعد بلفور، ثم مهّدت لنظام الانتداب الذي فرضته عصبة الأمم. وهي مدخل أساسي إلى تاريخ الاستعمار وإلى فهم استمرار هندسة التبعية في المستعمرات الجديدة.

أبرز النقاط

  • كانت سايكس–بيكو اتفاقية سرية عام 1916 وزعت السيطرة والنفوذ في الأقاليم العثمانية الآسيوية بين بريطانيا وفرنسا بموافقة حلفائهما.
  • لم ترسم الاتفاقية معظم الحدود الحالية حرفياً، لكنها أرست مبدأ تقرير مستقبل المشرق عبر مساومة استعمارية بلا تمثيل لسكانه.
  • حوّل نظام الانتداب بعد عام 1920 منطق الاتفاقية إلى إدارات وجيوش وامتيازات اقتصادية بريطانية وفرنسية تحت غطاء عصبة الأمم.
  • أظهر نشر البلاشفة للنص في نوفمبر/تشرين الثاني 1917 تعارض الوعود البريطانية والفرنسية مع ادعاءات دعم الاستقلال العربي.
  • تبقى سايكس–بيكو رمزاً صالحاً للتجزئة الاستعمارية، لكن تفسير جميع صراعات المنطقة بها وحدها يطمس التاريخ المحلي والتسويات اللاحقة.

ما كانت اتفاقية سايكس–بيكو؟

بدأت المفاوضات في نوفمبر/تشرين الثاني 1915، وتبلورت في تبادل مذكرات بين وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي والسفير الفرنسي بول كامبون، واكتملت في 16 مايو/أيار 1916. وافقت روسيا القيصرية بعد حصولها، في تفاهم القسطنطينية في مارس/آذار–أبريل/نيسان 1915، على وعود بالحصول على القسطنطينية والمضائق؛ وأقرت إيطاليا الترتيبات في اتفاق سان جان دو موريين المؤرخ 26 أبريل/نيسان 1917، مع بقاء تنفيذ مطالبها مشروطاً بالموافقة الروسية.

قسّم النص الولايات العثمانية العربية إلى سيطرة مباشرة ومناطق نفوذ. خُصصت لفرنسا «المنطقة الزرقاء» الساحلية في أجزاء من جنوب الأناضول وبلاد الشام، ولبريطانيا «المنطقة الحمراء» في جنوب بلاد الرافدين وموانئ عكا وحيفا. أما الداخل فصار منطقتين لدولة عربية أو اتحاد دول عربية: «أ» بأولوية فرنسية و«ب» بأولوية بريطانية. واقترح تدويل فلسطين، من دون تحديد نظام نهائي قبل التشاور مع روسيا وبقية الحلفاء وشريف مكة.

آلية القوة: الخريطة والسرية والانتداب

كانت الآلية الأولى دبلوماسية سرية تعاملت مع السيادة بوصفها غنيمة حرب. لم تشارك المجتمعات المعنية في التفاوض، بينما كانت بريطانيا تراسل الشريف حسين بن علي بين 14 يوليو/تموز 1915 و10 مارس/آذار 1916 بشأن استقلال عربي بشروط وحدود ملتبسة. سمح الغموض للندن بأن تقدم التزامات متعارضة إلى أطراف مختلفة.

«تدخل فرنسا وبريطانيا، بصفتهما حاميتين للدولة العربية، في اتفاق دولي ولا ينشأ عنه أي مساس بها.» — اتفاقية سايكس–بيكو، المادة الأولى، 1916، في الترجمة العربية لمعنى النص الإنجليزي المنشور.

لكن المادة نفسها منحت الدولتين «الأولوية» في المشروعات والقروض وتوفير المستشارين والموظفين الأجانب؛ أي إن الاستقلال المقترح كان مقيداً منذ تصميمه. وبعد هزيمة العثمانيين استُبدلت لغة الاقتسام بلغة «الانتداب». نصت المادة 22 من عهد عصبة الأمم، النافذ في 10 يناير/كانون الثاني 1920، على أن جماعات عثمانية بلغت درجة يمكن معها الاعتراف باستقلالها «مؤقتاً»، مع تقديم دولة منتدبة للمشورة والمساعدة.

لم يكن الانتداب إنهاءً للاستعمار، بل صيغة قانونية دولية لإدارته مع وعد مؤجل بتقرير المصير.

بهذه الأدوات انتقلت الخريطة من غرفة تفاوض إلى جيوش وموظفين وامتيازات نفطية وسكك حديد وضرائب. وتوضح صفحات التاريخ الاستعماري والاستعمار الجديد كيف استمرت السيطرة الاقتصادية بعد تبدل الأسماء القانونية.

السجل الموثق: التفاوض والتنفيذ والمقاومة

التاريخ الحدث
مارس/آذار–أبريل/نيسان 1915 تفاهم القسطنطينية يمنح روسيا وعوداً بالمضائق مقابل قبول ترتيبات الحلفاء.
14 يوليو/تموز 1915 بدء مراسلات حسين–مكماهون بشأن الثورة والاستقلال العربي.
نوفمبر/تشرين الثاني 1915 بدء مفاوضات مارك سايكس وفرانسوا جورج-بيكو.
16 مايو/أيار 1916 اكتمال الاتفاق السري البريطاني–الفرنسي.
2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 صدور وعد بلفور المؤيد لإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين.
23 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 نشرت الحكومة البلشفية نص الاتفاق في صحيفتي «إزفستيا» و«برافدا»؛ أعادت «مانشستر غارديان» نشره في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1917.
8 مارس/آذار 1920 المؤتمر السوري العام يعلن استقلال سورية وينصّب فيصل ملكاً.
25 أبريل/نيسان 1920 مؤتمر سان ريمو يوزع الانتدابات على فرنسا وبريطانيا.
24 يوليو/تموز 1920 القوات الفرنسية تهزم المملكة السورية في ميسلون وتدخل دمشق.
24 يوليو/تموز 1922 عصبة الأمم تقر انتدابي فلسطين وسورية ولبنان؛ أُقر انتداب العراق في سبتمبر/أيلول 1924.

لم تحدد الاتفاقية حصيلة قتل، ولا توجد حصيلة علمية واحدة لـ«ضحايا سايكس–بيكو». لكن فرض النظام الذي ساهمت في تأسيسه كان دموياً. في ميسلون يوم 24 يوليو/تموز 1920، تورد الموسوعة البريطانية نحو 400 قتيل سوري من قوة قوامها نحو 3,000، مقابل 42 قتيلاً فرنسياً. وخلال الثورة السورية الكبرى بين عامي 1925 و1927، قدّر المؤرخ مايكل بروفنس عام 2005 القتلى السوريين بنحو 6,000، في حين تعرض دراسات أخرى تقديرات تمتد إلى قرابة 10,000؛ اختلاف النطاق يعكس تفاوت احتساب المدنيين والمقاتلين والمناطق.

تقديرات القتلى السوريين: ميسلون عام 1920 والثورة السورية الكبرى بين 1925 و1927عدد القتلى السوريين المقدرميسلون 1920 — الموسوعة البريطانية400الثورة 1925–1927 — بروفنس 20056,000الحد الأعلى في دراسات أخرى10,000010,000

الدفاع عنها ومواطن سقوطه

دافع صانعو الاتفاق عن توزيع النفوذ باعتباره تنسيقاً عسكرياً ضرورياً خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918، وحمايةً لطريق بريطانيا إلى الهند ومصالحها في الخليج، وضماناً لمطالب فرنسا التاريخية في بلاد الشام. كما قيل إن النص تصور دولة عربية أو اتحاداً عربياً في المنطقتين «أ» و«ب»، وإن الاستشارة الدولية بشأن فلسطين تركت وضعها مفتوحاً.

هذا الدفاع يحجب بنية القرار: دولتان أوروبيتان قررتا من يملك الموانئ ومن يمنح الامتيازات ومن يقدم المستشارين، قبل معرفة إرادة السكان. ولم تُلغِ عبارة «دولة عربية» حق الأفضلية الاقتصادية والإدارية للقوتين. كما أن ميثاق الأطلسي، الصادر في 14 أغسطس/آب 1941، سيعلن لاحقاً مبدأ احترام حق الشعوب في اختيار شكل حكوماتها؛ وهو معيار يكشف التناقض مع اتفاق 1916.

لم تُنفذ الخريطة كما كُتبت. سيطرت بريطانيا على الموصل بعد هدنة مودروس الموقعة في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1918 رغم وقوعها ضمن المجال الفرنسي المتصور، ثم تنازلت فرنسا عن مطالبها هناك في تسوية عام 1919 مقابل ترتيبات شملت مصالح نفطية. لا يبرئ ذلك الاتفاق؛ بل يوضح أن حدوده كانت قابلة لإعادة البيع بين المنتصرين.

ما بعد الاتفاقية والذاكرة المعاصرة

أنتج مؤتمر سان ريمو في أبريل/نيسان 1920 تقسيماً مختلفاً جزئياً لكنه حافظ على المبدأ: فرنسا في سورية ولبنان، وبريطانيا في العراق وفلسطين. أُنشئ لبنان الكبير في 1 سبتمبر/أيلول 1920، وفُصلت إدارة شرق الأردن عن فلسطين غرب النهر عملياً عام 1921، ثم أصدرت عصبة الأمم مذكرة شرق الأردن في 16 سبتمبر/أيلول 1922. واستقلت المملكة العراقية رسمياً في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1932، ولبنان في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1943، وسورية بإجلاء آخر القوات الفرنسية في 17 أبريل/نيسان 1946.

بقي اسم «سايكس–بيكو» اختزالاً عربياً للتجزئة والتدخل الخارجي، وأحياناً تفسيراً مفرطاً لكل حدود المنطقة. ففي 29 يونيو/حزيران 2014 أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» خلافته، وروّج مقطعاً بعنوان «نهاية سايكس–بيكو» بعد إزالة سواتر على الحدود السورية–العراقية. كان الاستخدام دعائياً: التنظيم استثمر مظلومية استعمارية حقيقية لتبرير حكم إبادي واستعباد، لا مشروع تحرير.

الذاكرة الأدق تميز بين ثلاثة أمور: اتفاق سري عام 1916؛ وتسويات قانونية وعسكرية لاحقة بين عامي 1918 و1924؛ ومسارات محلية سبقت الاستعمار أو قاومته أو أعادت تشكيل دوله. لا يمكن رد كل حرب أو انقسام إلى خريطة واحدة، لكن لا يجوز أيضاً محو مسؤولية بريطانيا وفرنسا عن فرض نظام سياسي واقتصادي بالقوة. وتظل الاتفاقية مثالاً مركزياً في أرشيف تاريخ الاستعمار وفي تحليل انتقال النفوذ إلى أشكال الهيمنة الاستعمارية الجديدة.

المصادر وقراءات إضافية

أسئلة شائعة

ما هي اتفاقية سايكس–بيكو باختصار؟
هي اتفاقية سرية اكتملت في 16 مايو/أيار 1916 بين بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا ثم إيطاليا، لتقسيم السيطرة والنفوذ في الولايات العثمانية الآسيوية. تفاوض عليها مارك سايكس وفرانسوا جورج-بيكو، فقسمت الخريطة إلى منطقتي سيطرة مباشرة ومنطقتي أولوية اقتصادية وإدارية، واقترحت إدارة دولية لفلسطين.
هل رسمت سايكس–بيكو حدود الشرق الأوسط الحالية؟
لا، ليس بصورة حرفية. رسمت اتفاقية عام 1916 مناطق نفوذ وسيطرة، لا معظم الحدود الدولية النهائية. تشكلت الحدود اللاحقة أيضاً عبر احتلالات ما بعد 1918، ومؤتمر سان ريمو في 25 أبريل/نيسان 1920، وانتدابات عصبة الأمم عامي 1922 و1924، وتسويات تركيا بين معاهدتي سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923.
من وقّع اتفاقية سايكس–بيكو؟
حملت الاتفاقية اسم المفاوضين مارك سايكس عن بريطانيا وفرانسوا جورج-بيكو عن فرنسا، لكنها اتخذت صورتها الرسمية في مراسلات بين وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي والسفير الفرنسي بول كامبون، واكتملت في 16 مايو/أيار 1916. وافقت روسيا القيصرية عليها، ثم قبلت إيطاليا الإطار في اتفاق 26 أبريل/نيسان 1917.
كيف كُشفت اتفاقية سايكس–بيكو؟
بعد الثورة البلشفية في نوفمبر/تشرين الثاني 1917، فتحت الحكومة الجديدة أرشيف الدبلوماسية القيصرية ونشرت نصوص المعاهدات السرية. ظهر اتفاق سايكس–بيكو في «إزفستيا» و«برافدا» يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، ثم نشرته «مانشستر غارديان» بالإنجليزية في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، فكشفت التعارض بين التقاسم الاستعماري ووعود الاستقلال العربي.
ما علاقة سايكس–بيكو بفلسطين والعراق وسورية ولبنان؟
اقترحت اتفاقية 1916 تدويل فلسطين، ومنحت بريطانيا مجالاً في جنوب العراق وفرنسا مجالاً ساحلياً في بلاد الشام. لكن سان ريمو عام 1920 والانتدابات أعادت الصياغة: أخذت بريطانيا العراق وفلسطين، وأخذت فرنسا سورية ولبنان. أُنشئ لبنان الكبير عام 1920، وفُصلت إدارة شرق الأردن عملياً عام 1921، وأُقر انتداب العراق عام 1924.

فصول ذات صلة

أشخاص ومؤسسات

كل المراكز

المصادر وقراءات إضافية

CC BY 4.0 ·

#سايكس-بيكو#الاستعمار#الشرق-الأوسط#الانتداب#تاريخ-المشرق#middle-east#borders