نيلسون مانديلا: من السجين إلى الرئيس
مرجع موثق عن نيلسون مانديلا: مقاومة الفصل العنصري، سجنه 27 عاما، انتخابه رئيسا عام 1994، وحدود المصالحة والتحول الاقتصادي في جنوب أفريقيا.

قاد نيلسون روليهلاهلا مانديلا الانتقال من دولة الفصل العنصري إلى ديمقراطية انتخابية: اعتُقل في 5 أغسطس/آب 1962، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في 12 يونيو/حزيران 1964، وأُفرج عنه في 11 فبراير/شباط 1990، ثم أصبح في 10 مايو/أيار 1994 أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا وأول رئيس تختاره انتخابات وطنية بحق اقتراع عام.
لم يصنع مانديلا هذا التحول منفردا. فقد قامت مقاومة جماهيرية ونقابية ومسلحة ودولية امتدت عقودا، ودفع ثمنها آلاف القتلى وعشرات آلاف المعتقلين والملايين ممن انتُزعت أراضيهم وحرياتهم. وتوضح هذه الصفحة الآلية والأرقام والمستفيدين وحدود التسوية ضمن تاريخ الاستعمار والعنصرية وسجل الفظائع وبوابة البيانات.
أبرز النقاط
- سُجن نيلسون مانديلا من عام 1962 إلى عام 1990، وأمضى نحو 27 سنة ونصف بسبب نشاطه ضد نظام الأبارتهايد.
- فاز المؤتمر الوطني الأفريقي بنسبة 62.65% في انتخابات 1994، وأصبح مانديلا أول رئيس أسود منتخب باقتراع عام.
- هجّرت سلطات الأبارتهايد نحو 3.5 ملايين شخص قسرا بين 1960 و1983، وفق لجنة سوربلس بيبول.
- حققت تسوية 1994 الديمقراطية الدستورية، لكنها أبقت قدرا كبيرا من تركّز الأرض والثروة الذي صنعه الحكم الأبيض.
- لا يُفهم صعود مانديلا دون المقاومة النقابية والجماهيرية والمسلحة، والضغط الدولي، وآلاف الضحايا الذين لم يدخلوا القصر الرئاسي.
ما حدث: من نظام التفوق الأبيض إلى الرئاسة
حوّل الحزب الوطني، بعد فوزه عام 1948، أعراف الهيمنة البيضاء إلى منظومة قانونية سُميت الأبارتهايد. صنّف قانون تسجيل السكان لعام 1950 الناس عرقيا؛ وفصل قانون مناطق الجماعات لعام 1950 السكن والملكية؛ وفرض قانون إلغاء التصاريح وتنسيق الوثائق لعام 1952 دفاتر المرور على الأفارقة السود. وكانت النتيجة دولة تتحكم في المكان والعمل والتعليم والمواطنة.
انضم مانديلا إلى المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1944، وأسهم في تأسيس عصبة شبابه في العام نفسه. وبعد مذبحة شاربفيل في 21 مارس/آذار 1960، حين قتلت الشرطة 69 متظاهرا وأصابت 180 بحسب لجنة الحقيقة والمصالحة، حُظر المؤتمر في 8 أبريل/نيسان 1960. شارك مانديلا عام 1961 في تأسيس «أومخونتو وي سيزوي»، الجناح المسلح الذي بدأ بتخريب المنشآت مع إعلان السعي إلى تجنب قتل المدنيين.
| التاريخ | الواقعة | النتيجة الموثقة |
|---|---|---|
| 5 أغسطس/آب 1962 | اعتقال مانديلا قرب هويك | بدء احتجازه الطويل |
| 12 يونيو/حزيران 1964 | حكم ريفونيا | السجن المؤبد لمانديلا و7 متهمين آخرين |
| 11 فبراير/شباط 1990 | الإفراج عنه | أمضى 27 سنة و6 أشهر تقريبا في السجن |
| 27 أبريل/نيسان 1994 | أول انتخابات عامة | فاز المؤتمر بـ252 من 400 مقعد |
| 10 مايو/أيار 1994 | التنصيب | مانديلا رئيسا حتى 14 يونيو/حزيران 1999 |
«لقد اعتززت بمثل المجتمع الديمقراطي الحر... إنه مثل آمل أن أعيش من أجله وأن أحققه. ولكن، إن اقتضى الأمر، فهو مثل مستعد للموت من أجله». — نيلسون مانديلا، بيان من قفص الاتهام، محاكمة ريفونيا، 20 أبريل/نيسان 1964.
آلية الأبارتهايد ومن استفاد منها
لم يكن الأبارتهايد مجرد تحيز اجتماعي؛ بل نظام تراكم اقتصادي. ثبّت قانون أراضي السكان الأصليين لعام 1913 ملكية الأفارقة في نحو 7% من مساحة البلاد، ثم رفعتها تشريعات عام 1936 نظريا إلى قرابة 13%، مع أن السود كانوا الأغلبية. وفّرت قوانين المرور والسكن قوة عمل سوداء مقيدة الحركة للمناجم والمزارع والمصانع، بينما حُجزت الوظائف الأعلى أجرا والضواحي الغنية والخدمات الأفضل للبيض.
ربحت بيوت التعدين، ومنها «أنغلو أمريكان» و«دي بيرز»، من نظام العمالة المهاجرة والأجور المتفاوتة؛ واستفاد ملاك المزارع والشركات الصناعية والمصارف، كما موّلت الاستثمارات والتجارة الأجنبية اقتصاد الدولة. لا يعني ذلك أن كل شركة صممت كل قانون، لكنه يعني أن رأس المال المحلي والدولي عمل داخل بنية قللت كلفة العمل الأسود وحمت الملكية البيضاء.
حقائق أساسية
- حكمت أقلية بيضاء بلغت نحو 4.6 ملايين من أصل 40.6 مليونا في تعداد 1991، أي قرابة 11.3% من السكان.
- هجّرت الدولة قسرا نحو 3.5 ملايين شخص بين 1960 و1983، وفق تقدير لجنة سوربلس بيبول المنشور عام 1983.
- انتُزع من السود حق التصويت الوطني والإقامة الحرة وملكية الأرض المتكافئة حتى التسوية الدستورية وانتخابات 1994.
- لم تُلغِ رئاسة مانديلا التفاوت المتراكم في الأرض والثروة، رغم إنهائها سيادة الأقلية القانونية.
الأرقام: القتل والاقتلاع والانتخابات
تظل حصيلة عنف الأبارتهايد موضع اختلاف لأن الفترات والتعريفات تتباين. تسجل قاعدة بيانات لجنة الحقيقة والمصالحة أكثر من 22,000 ضحية لانتهاكات جسيمة بين 1 مارس/آذار 1960 و10 مايو/أيار 1994؛ أما مشروع «العنف السياسي في جنوب أفريقيا» التابع للجنة حقوق الإنسان الجنوب أفريقية فقد أحصى قرابة 14,000 قتيل بين يوليو/تموز 1990 وأبريل/نيسان 1994 وحدهما. هذان رقمان مختلفان: الأول يحصي ضحايا انتهاكات بأنواع متعددة، والثاني وفيات مرحلة انتقالية.
| المؤشر | الرقم والنطاق | الجهة والسنة المرجعية |
|---|---|---|
| قتلى شاربفيل | 69 قتيلا و180 جريحا | لجنة الحقيقة والمصالحة، تقرير 1998 |
| قتلى انتفاضة سويتو | 176 رسميا؛ وتقديرات تصل إلى نحو 700 | حكومة جنوب أفريقيا 1976؛ تقديرات تاريخية لاحقة |
| المهجّرون قسرا | نحو 3.5 ملايين، 1960–1983 | لجنة سوربلس بيبول، 1983 |
| ضحايا الانتهاكات الجسيمة | أكثر من 22,000، 1960–1994 | لجنة الحقيقة والمصالحة، قاعدة الضحايا 1998–2003 |
| قتلى العنف السياسي | نحو 14,000، 1990–1994 | لجنة حقوق الإنسان الجنوب أفريقية، 1994 |
| أصوات انتخابات 1994 | 12,237,655 للمؤتمر من 19,726,610 صوتا صحيحا، أي 62.65% | اللجنة الانتخابية المستقلة، 1994 |
المقاومة والتفاوض والتحول الديمقراطي
كانت مقاومة الأبارتهايد شبكة لا سيرة رجل واحد: المؤتمر الوطني الأفريقي، والمؤتمر الأفريقي القومي، وحركة الوعي الأسود بقيادة ستيف بيكو، واتحاد نقابات عمال جنوب أفريقيا، والجبهة الديمقراطية المتحدة، والطلاب، والكنائس، والمجتمعات المنفية. وأدت المقاطعة الرياضية والثقافية وسحب الاستثمارات والعقوبات إلى رفع كلفة الحكم، بالتوازي مع الإضرابات والانتفاضات داخل البلاد.
جرت عملية الانتقال الأساسية على مراحل:
- أعلن الرئيس فريدريك دي كليرك في 2 فبراير/شباط 1990 رفع الحظر عن المؤتمر الوطني الأفريقي وتنظيمات أخرى.
- أُفرج عن مانديلا في 11 فبراير/شباط 1990 بلا تخلٍّ معلن عن أهداف المؤتمر.
- بدأت مفاوضات «كوديسا» في ديسمبر/كانون الأول 1991، وسط قتل سياسي واسع وانهيار جولات تفاوضية.
- أقر دستور انتقالي في نوفمبر/تشرين الثاني 1993، ونال مانديلا ودي كليرك جائزة نوبل للسلام في ديسمبر/كانون الأول 1993.
- شارك 19,726,579 ناخبا في الاقتراع بين 26 و29 أبريل/نيسان 1994، بحسب اللجنة الانتخابية المستقلة، وأُعلنت النتائج في 6 مايو/أيار 1994.
لم يكن انتقال 1994 هبة من السلطة البيضاء؛ بل تسوية انتزعتها مقاومة طويلة عندما صار استمرار الأبارتهايد أكثر كلفة وأقل قابلية للحكم.
الرئاسة: المصالحة وإنجازاتها وحدودها
ترأس مانديلا حكومة وحدة وطنية بين 10 مايو/أيار 1994 و14 يونيو/حزيران 1999. ألغى دستور 1996 الأساس القانوني للتراتبية العرقية، ورسّخ المساواة والحقوق الاجتماعية، وأنشأ محكمة دستورية. ووقّع مانديلا قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة رقم 34 لعام 1995، الذي أنشأ لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة ديزموند توتو.
منح برنامج إعادة الإعمار والتنمية الأولوية للسكن والمياه والكهرباء والخدمات، لكن الحكومة استبدلت به عمليا استراتيجية «النمو والتوظيف وإعادة التوزيع» عام 1996، الأكثر اعتمادا على الانضباط المالي وتحرير الاقتصاد. بقيت المناجم والمصارف والأراضي التجارية مركزة في أيدٍ ضيقة، ولم يحدث نزع شامل لملكية رأس المال الأبيض.
كانت لجنة الحقيقة والمصالحة ابتكارا مهما لكشف الانتهاكات: استمعت إلى أكثر من 21,000 إفادة للضحايا منذ 1996، وأدلى نحو 2,000 شخص بشهادات علنية، وفقا لتقريرها النهائي. لكنها منحت عفوا فرديا لمن أثبت الدافع السياسي والإفصاح الكامل، وفصلت غالبا بين الجريمة السياسية والبنية الاقتصادية التي جعلت الاستغلال ممكنا.
كما أخفقت حكومة مانديلا في إدراك حجم أزمة فيروس نقص المناعة البشرية مبكرا. عند نهاية رئاسته عام 1999 كانت البلاد مقبلة على كارثة صحية تفاقمت لاحقا في عهد ثابو مبيكي. الاعتراف بهذا الإخفاق لا يمحو إنجاز الانتقال؛ بل يمنع تحويل مانديلا إلى رمز منزّه عن المساءلة.
الإنكار والذاكرة وما يعنيه مانديلا الآن
تتنازع الذاكرة صورتان مبتورتان: واحدة تختزل مانديلا في مصالحة لطيفة وتحذف الكفاح المسلح والعقوبات؛ وأخرى تصفه بأنه باع التحرر لأن الرأسمالية وعدم المساواة بقيا. الأدق أن تسوية 1994 حققت سيادة سياسية دستورية بالغة الأهمية، لكنها لم تنجز إعادة توزيع موازية للأرض والثروة.
اعتذر دي كليرك في 1993 عن «الألم والمعاناة» اللذين سببهما الأبارتهايد، لكنه ظل يقلل أحيانا من توصيفه كجريمة ضد الإنسانية؛ وفي فبراير/شباط 2020 أنكر هذا التوصيف قبل أن تسحب مؤسسته التصريح وتعتذر. كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد وصفت الأبارتهايد بأنه جريمة ضد الإنسانية في قرارها 2202 أ (د-21) الصادر في 16 ديسمبر/كانون الأول 1966، ثم عرّفته اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري لعام 1973 قانونيا.
اليوم، تعني قصة مانديلا ثلاثة أمور مترابطة: أن المؤسسات العنصرية يمكن تفكيكها؛ وأن الضحايا والتنظيم الجماعي، لا «الرجل العظيم» وحده، يصنعون التحول؛ وأن المساواة أمام صندوق الاقتراع لا تزيل تلقائيا ملكية الأرض غير المتكافئة أو البطالة أو الفصل المكاني. لذلك يجب قراءة إرثه مع بيانات العنف والاقتلاع، لا من خلال الخطب التذكارية وحدها.
المصادر وقراءات إضافية
- مؤسسة نيلسون مانديلا: سيرة مانديلا وخطاب ريفونيا
- لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا: التقرير النهائي
- رئاسة جنوب أفريقيا: نيلسون مانديلا
- اللجنة الانتخابية في جنوب أفريقيا: نتائج الانتخابات الوطنية
- الأمم المتحدة: الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها
- جائزة نوبل: نيلسون مانديلا، جائزة السلام لعام 1993
أسئلة شائعة
- كم سنة قضى نيلسون مانديلا في السجن؟
- قضى مانديلا نحو 27 سنة و6 أشهر رهن السجن: اعتُقل في 5 أغسطس/آب 1962 وأُفرج عنه في 11 فبراير/شباط 1990. صدر حكم السجن المؤبد في محاكمة ريفونيا يوم 12 يونيو/حزيران 1964. احتُجز في جزيرة روبن ثم بولسمور وأخيرا فيكتور فيرستر.
- لماذا سُجن نيلسون مانديلا؟
- أُدين مانديلا أولا عام 1962 بالتحريض على الإضراب ومغادرة البلاد من دون وثائق، ثم أُدين مع رفاقه في محاكمة ريفونيا عام 1964 بالتخريب والتآمر لقلب نظام الأبارتهايد. كان قد شارك عام 1961 في تأسيس الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي بعد حظر التنظيم وقمع الاحتجاج السلمي.
- متى أصبح نيلسون مانديلا رئيسا لجنوب أفريقيا؟
- أصبح مانديلا رئيسا في 10 مايو/أيار 1994 بعد أول انتخابات وطنية بحق اقتراع عام، التي جرت بين 26 و29 أبريل/نيسان 1994. نال المؤتمر الوطني الأفريقي 12,237,655 صوتا، أي 62.65% من الأصوات الصحيحة، وفاز بـ252 مقعدا من أصل 400. انتهت رئاسته في 14 يونيو/حزيران 1999.
- هل أنهى مانديلا الفصل العنصري بمفرده؟
- لا. أسهم مانديلا في القيادة والتفاوض، لكن إسقاط الأبارتهايد نتج من مقاومة استمرت عقودا شارك فيها المؤتمر الوطني الأفريقي والنقابات وحركة الوعي الأسود والجبهة الديمقراطية المتحدة والطلاب والمجتمعات المحلية، إلى جانب العقوبات والمقاطعة الدولية. بدأ دي كليرك رفع الحظر في 2 فبراير/شباط 1990، واكتمل الانتقال الانتخابي في أبريل/نيسان 1994.
- ما أبرز حدود إرث مانديلا بعد عام 1994؟
- أنهت حكومة مانديلا بين 1994 و1999 حكم الأقلية البيضاء وأقرت دستور 1996 ولجنة الحقيقة والمصالحة، لكنها لم تفكك التركّز التاريخي للأرض والثروة والمناجم والمصارف. كما كان تعاملها المبكر مع وباء فيروس نقص المناعة البشرية غير كاف. لذلك جمع إرثها بين تحول دستوري حاسم واستمرار تفاوت اقتصادي صنعه الأبارتهايد.
فصول ذات صلة
الموضوعات
- إيمي سيزير وكتاب خطاب في الاستعمار
- حرب استقلال الجزائر والتعذيب الفرنسي
- الأبارتهايد في جنوب أفريقيا: هندسة قانونية للعنصرية
- تجارة الرقيق عبر الأطلسي: التاريخ والأرقام والإرث
- مذبحة باندا واحتكار جوزة الطيب الهولندي
- الكونغو البلجيكية: من فظائع ليوبولد إلى الاستعمار
- مجاعة البنغال 1943 والسياسة البريطانية
- برونزيات بنين ونهب التراث الأفريقي
- مؤتمر برلين وتقسيم أفريقيا
المصادر وقراءات إضافية
CC BY 4.0 ·