اتفاقية سايكس–بيكو وتقسيم المشرق العربي
مرجع موثق لاتفاقية سايكس–بيكو السرية عام 1916، وآليات الانتداب وتقسيم المشرق، والمستفيدين والمقاومة والضحايا والإرث السياسي المستمر.

كانت سايكس–بيكو اتفاقية سرية أبرمتها بريطانيا وفرنسا عام 1916، بموافقة روسيا القيصرية، لتوزيع السيطرة والنفوذ في الولايات العربية العثمانية إذا انتصر الحلفاء في الحرب العالمية الأولى. لم ترسم الاتفاقية وحدها الحدود الحالية، لكنها كشفت المنطق الاستعماري الذي حوّل الأرض والسكان والموارد إلى حصص تفاوضية.
نفّذ المنتصرون مشروع التقسيم عبر الاحتلال العسكري، وقرارات سان ريمو، وانتدابات عصبة الأمم، وقمع الثورات المحلية. لذلك يجب فهم سايكس–بيكو كبداية تفاوضية ضمن سلسلة أوسع من التعهدات المتعارضة والهندسة الإمبراطورية، لا كخريطة وحيدة صنعت الشرق الأوسط بضربة قلم.
أبرز النقاط
- كانت سايكس–بيكو عام 1916 اتفاقاً استعمارياً سرياً لتقاسم النفوذ، لا وثيقة تقرير مصير ولا خريطة مطابقة تماماً للحدود الحالية.
- حوّلت بريطانيا وفرنسا الصفقة إلى حكم فعلي عبر احتلال عام 1918، ومؤتمر سان ريمو عام 1920، وانتدابات عصبة الأمم.
- أدى فرض نظام الانتداب إلى ثورات واسعة؛ وقُتل في الثورة العراقية عام 1920 ما يقدّر بنحو 6,000 إلى 10,000 عراقي.
- خدمت التسويات طرق الإمبراطوريات والنفط والموانئ؛ ومنح امتياز النفط العراقي عام 1925 شركة أجنبية حقوقاً استمرت 75 عاماً.
- يبقى إرث الاتفاقية حاضراً لأن مؤسسات وحدوداً اقتصادية وأمنية أُنشئت دون موافقة حرة من السكان الخاضعين لها.
ما حدث: من الاتفاق السري إلى نظام الانتداب
تفاوض الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو بين نوفمبر/تشرين الثاني 1915 ومايو/أيار 1916. ثبّت تبادل الرسائل المؤرخ في 9 و16 مايو/أيار 1916 الاتفاق: منطقة إدارة فرنسية مباشرة على الساحل السوري وكيليكيا، ومنطقة بريطانية مباشرة في جنوب العراق، ونطاقا نفوذ داخليان، وإدارة دولية مقترحة لفلسطين. حصلت روسيا القيصرية على ترتيبات منفصلة تخص إسطنبول والمضائق وأجزاء من الأناضول، ثم دخلت إيطاليا ترتيبات سان جان دو موريين عام 1917.
«إن فرنسا وبريطانيا مستعدتان للاعتراف بدولة عربية مستقلة أو اتحاد دول عربية وحمايتها» — رسالة السير إدوارد غراي إلى بول كامبون، 9 مايو/أيار 1916، ضمن نص اتفاقية سايكس–بيكو.
كان الوعد مشروطاً ومفرغاً عملياً من السيادة: احتفظت القوتان بحق «الأولوية» في المشروعات والقروض والمستشارين داخل منطقتي النفوذ. وفي الوقت نفسه، حملت مراسلات حسين–مكماهون لعامي 1915–1916 وعوداً بريطانية ملتبسة باستقلال عربي، بينما أيد إعلان بلفور الصادر في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين.
Key facts — حقائق أساسية
- وُقّعت الترتيبات النهائية في مايو/أيار 1916، وظلت سرية حتى نشرها البلاشفة في نوفمبر/تشرين الثاني 1917.
- لم تصبح خريطة عام 1916 حدوداً قانونية حرفية؛ أعادت الحرب والمؤتمرات والانتدابات تشكيلها بين 1918 و1923.
- منح مؤتمر سان ريمو في أبريل/نيسان 1920 فرنسا سوريا ولبنان، وبريطانيا العراق وفلسطين.
- أجازت عصبة الأمم انتدابي سوريا ولبنان وفلسطين في 24 يوليو/تموز 1922، وانتداب العراق في 27 سبتمبر/أيلول 1924.
للسياق الزمني الأوسع، راجع تاريخ الاستعمار والمقاومة.
آلية التقسيم والأرقام البشرية
عمل التقسيم عبر خطوات متتابعة:
- تحويل الولايات العثمانية إلى مناطق احتلال عسكري بعد عام 1918.
- تسوية مطالب بريطانيا وفرنسا في سان ريمو عام 1920، مع استبعاد السكان الخاضعين للحكم.
- تغليف السيطرة بلغة «الانتداب» في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم عام 1919.
- إنشاء إدارات وحدود وقوات محلية مرتبطة بالمندوبين السامين.
- سحق الاعتراض المسلح بالقصف الجوي والمدفعية والإعدام والنفي.
| التاريخ | القرار أو الحدث | النتيجة الملموسة |
|---|---|---|
| 16 مايو/أيار 1916 | اكتمال تبادل رسائل سايكس–بيكو | تقسيم مبدئي إلى منطقتي سيطرة مباشرة ونطاقي نفوذ وإدارة دولية لفلسطين |
| نوفمبر/تشرين الثاني 1917 | نشر الحكومة البلشفية النص | انكشاف التعهد الاستعماري السري |
| 25 أبريل/نيسان 1920 | ختام مؤتمر سان ريمو | تخصيص سوريا ولبنان لفرنسا، والعراق وفلسطين لبريطانيا |
| 24 يوليو/تموز 1922 | اعتماد انتدابي سوريا ولبنان وفلسطين | إضفاء شرعية دولية استعمارية على الإدارة الفرنسية والبريطانية |
| 29 سبتمبر/أيلول 1923 | دخول انتدابي سوريا ولبنان وفلسطين حيز التنفيذ | ترسيخ المؤسسات والحدود الانتدابية |
لم تكن الكلفة البشرية نتيجة توقيع الورقة ذاتها، بل نتيجة فرض النظام الذي أعقبها. تختلف الأرقام لأن السجلات الاستعمارية ناقصة ولأن بعض المصادر تحصي المعارك دون المجاعة أو الإعدامات.
| الواقعة | السنوات | تقدير القتلى | مصدر التقدير ونطاقه |
|---|---|---|---|
| الثورة العراقية الكبرى | 1920 | نحو 6,000–10,000 عراقي، وقرابة 1,000 من القوات البريطانية والهندية | تشارلز تريب يورد نحو 6,000 عراقي؛ تقديرات تاريخية أوسع تصل إلى 10,000؛ الأرقام البريطانية الرسمية تقارب 1,000 |
| معركة ميسلون | 1920 | نحو 400 سوري | تقديرات المؤرخين السوريين والفرنسيين لعام 1920 تتراوح غالباً بين 300 و500 |
| الثورة السورية الكبرى | 1925–1927 | نحو 6,000–10,000 سوري | فيليب خوري يورد نطاقاً يقارب 6,000–10,000 في دراسات سوريا الانتدابية |
| قصف دمشق | أكتوبر/تشرين الأول 1925 | نحو 500–1,500 قتيل | تقديرات معاصرة ودراسات لاحقة متباينة؛ الأرقام الفرنسية أدنى والتقديرات السورية والصحفية أعلى |
تجمع بوابة البيانات التاريخية أرقاماً ومناهج مقارنة إضافية، فيما توثق فظائع الحكم الاستعماري أنماط القصف والعقاب الجماعي.
من استفاد: الإمبراطوريات والنفط والممرات
استفادت بريطانيا من حماية طريق الهند، والسيطرة على موانئ الخليج والعراق وفلسطين، وتأمين قناة السويس وخطوط الاتصال. واستهدفت فرنسا استعادة نفوذها التجاري والمالي والثقافي في سوريا ولبنان وكيليكيا. لم تكن الحدود شأناً إثنياً محايداً؛ كانت أدوات لضبط الموانئ والسكك والأنهار والضرائب والموارد.
أصبحت الموصل محور نزاع بسبب موقعها ونفطها. ضُمّت ولاية الموصل إلى العراق الخاضع لبريطانيا بعد هدنة مودروس عام 1918، وحسم مجلس عصبة الأمم بقاءها في العراق عام 1925. وفي 14 مارس/آذار 1925 مُنحت شركة النفط التركية امتيازاً مدته 75 عاماً. اكتُشف حقل بابا كركر قرب كركوك في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1927؛ وقدّر مسح أمريكي رسمي عام 1945 إنتاج العراق النفطي في عام 1938 بنحو 4.3 ملايين طن متري.
| الأصل أو الامتياز | السنة | الرقم الموثق | المستفيدون الرئيسيون |
|---|---|---|---|
| امتياز شركة النفط التركية | 1925 | 75 عاماً | شركات بريطانية وفرنسية وأمريكية، ثم شركة نفط العراق |
| حصص شركة نفط العراق بعد اتفاق الخط الأحمر | 1928 | 23.75% لكل من أربع مجموعات، و5% لكالوست غولبنكيان | الأنجلو-فارسية، رويال داتش شل، الشركة الفرنسية للبترول، مجموعة التنمية الأمريكية، غولبنكيان |
| إنتاج النفط العراقي | 1938 | نحو 4.3 ملايين طن متري | شركة نفط العراق والدولة الانتدابية وشبكات التكرير الأوروبية |
المقاومة والقمع
رفضت قوى عربية متعددة شرعية التسوية. أعلن المؤتمر السوري العام في 8 مارس/آذار 1920 استقلال سوريا بحدودها الطبيعية ونصّب فيصل ملكاً، لكن الجيش الفرنسي هزم القوات السورية في ميسلون يوم 24 يوليو/تموز 1920، وقُتل وزير الحربية يوسف العظمة.
في العراق، اندلعت ثورة عام 1920 بمشاركة عشائر ومدن ورجال دين سنة وشيعة. استخدمت بريطانيا الطائرات والقصف والعقوبات المالية؛ وقدّرت كلفة إخمادها في الحسابات البريطانية لعام 1920 بنحو 40 مليون جنيه إسترليني، وهو رقم يورده مؤرخون مثل تشارلز تريب، مقابل ميزانيات كانت لندن تريد خفضها. دفعت الكلفة بريطانيا إلى الحكم غير المباشر عبر ملكية فيصل الأول مع بقاء المستشارين والقواعد.
قاد سلطان باشا الأطرش الثورة السورية الكبرى بين 1925 و1927. قصفت فرنسا دمشق في 18–20 أكتوبر/تشرين الأول 1925، وأحرقت أحياء وأسواقاً. لم تكن المقاومة موحدة الأهداف أو خالية من الانقسامات، لكنها نسفت ادعاء أن الانتداب جاء بموافقة المحكومين.
وصف ميثاق عصبة الأمم لعام 1919 جماعات الانتداب بأنها بلغت مرحلة «يمكن عندها الاعتراف مؤقتاً بوجودها كأمم مستقلة»، ثم جعل ذلك الاعتراف خاضعاً لـ«مشورة ومساعدة» القوة المنتدبة — المادة 22، 1919.
كانت صيغة «الاستقلال المؤقت» غطاءً قانونياً لحكم لم يختَر سكانه المندوبين السامين ولم يستطيعوا عزلهم.
الإنكار والذاكرة وما يعنيه التقسيم الآن
انتشرت مقولتان مضللتان: أن سايكس–بيكو رسمت كل الحدود الحالية، أو أنها لم تكن مهمة لأن خريطتها لم تُطبق حرفياً. الأولى تتجاهل تعديلات ما بعد الحرب؛ والثانية تتجاهل أنها وثقت اتفاق قوتين على تقاسم أراضٍ لا تملكانها، ومهّدت لمنظومة الانتداب.
من أمثلة التغيير أن منطقة الموصل المخصصة مبدئياً للنفوذ الفرنسي انتهت داخل العراق البريطاني؛ وأن فلسطين، المقترحة دولياً عام 1916، خضعت لانتداب بريطاني منفصل؛ وأن تركيا الحديثة حسمت حدوداً واسعة بمعاهدة لوزان الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923. كما أن حدود الأردن والسعودية والعراق تشكلت عبر ترتيبات ومفاوضات إضافية خلال عشرينيات القرن العشرين، لا عبر خط سايكس وبيكو وحده.
ومع ذلك يبقى الاسم اختصاراً مشروعاً لحقيقة بنيوية: سيادة مفروضة من الخارج، وحدود صُممت لخدمة قوى الاحتلال، ودول ورثت أجهزة أمنية مركزية واقتصادات تصدير وخصومات حدودية. عندما أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» في يونيو/حزيران 2014 أنه «كسر حدود سايكس–بيكو»، استغل ذاكرة استعمارية حقيقية لتبرير مشروع استبدادي ارتكب القتل والاسترقاق والإبادة بحق الإيزيديين؛ وقد خلص فريق التحقيق الأممي UNITAD في عام 2024 إلى وجود أدلة معقولة على الإبادة الجماعية.
لا تفسر الاتفاقية وحدها الحروب أو الاستبداد المعاصر، ولا تلغي مسؤولية الحكام المحليين والقوى اللاحقة. لكنها تفسر كيف جرى تأسيس النظام الإقليمي دون تقرير حر للمصير، ولماذا ما زالت شرعية الحدود وتوزيع الموارد والتدخل الخارجي موضوعات سياسية حية.
المصادر وقراءات إضافية
- Encyclopaedia Britannica: Sykes–Picot Agreement
- The Avalon Project, Yale Law School: نص اتفاقية سايكس–بيكو
- Office of the Historian, U.S. Department of State: مؤتمر سان ريمو
- Encyclopaedia Britannica: الثورة العراقية لعام 1920
- Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate
- Charles Tripp, A History of Iraq
أسئلة شائعة
- ما هي اتفاقية سايكس–بيكو باختصار؟
- هي اتفاق سري تفاوض عليه البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو، وثُبّت برسائل 9 و16 مايو/أيار 1916 بموافقة روسيا القيصرية. قسّم الولايات العربية العثمانية المتوقعة بعد الحرب إلى مناطق سيطرة مباشرة ونفوذ بريطاني وفرنسي، واقترح إدارة دولية لفلسطين. كشفته الحكومة البلشفية في نوفمبر/تشرين الثاني 1917.
- هل رسمت سايكس–بيكو حدود الشرق الأوسط الحالية؟
- ليس حرفياً. اقترحت خريطة عام 1916 نطاقات نفوذ لا تطابق جميع الدول الحالية. تشكلت الحدود عبر الاحتلال بعد 1918، ومؤتمر سان ريمو عام 1920، وانتدابات أُقرت بين 1922 و1924، ومعاهدة لوزان عام 1923، وتسويات الموصل والجزيرة العربية. لكنها أسست منطق التقاسم الإمبراطوري الذي حكم تلك العمليات.
- من وقّع اتفاقية سايكس–بيكو ومن وافق عليها؟
- تفاوض مارك سايكس باسم بريطانيا وفرانسوا جورج-بيكو باسم فرنسا، واعتمدتها حكومتاهما في مايو/أيار 1916 عبر مراسلات وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي والسفير الفرنسي بول كامبون. وافقت روسيا القيصرية مقابل ترتيبات تخص إسطنبول والمضائق وأراضي الأناضول، ثم ارتبطت إيطاليا بتسويات منفصلة عام 1917.
- كم بلغ عدد ضحايا مقاومة الانتدابين البريطاني والفرنسي؟
- لا يوجد مجموع موحد موثوق. يقدّر تشارلز تريب قتلى العراقيين في ثورة عام 1920 بنحو 6,000، بينما تصل تقديرات أوسع إلى 10,000. وتضع دراسات فيليب خوري قتلى الثورة السورية الكبرى بين 1925 و1927 في نطاق يقارب 6,000–10,000. أما قصف دمشق عام 1925 فتتراوح تقديراته بين نحو 500 و1,500 قتيل.
- ما علاقة سايكس–بيكو بالنفط العراقي؟
- وضعت الاتفاقية الموصل أولاً ضمن نطاق نفوذ فرنسي، لكن بريطانيا احتلتها بعد هدنة عام 1918، وثبّتت عصبة الأمم ضمها إلى العراق عام 1925. في العام نفسه نالت شركة النفط التركية امتيازاً لمدة 75 عاماً. وبعد اكتشاف بابا كركر عام 1927، أعاد اتفاق الخط الأحمر عام 1928 توزيع الشركة بين مصالح بريطانية وفرنسية وأمريكية وهولندية.
فصول ذات صلة
الموضوعات
- إيمي سيزير وكتاب خطاب في الاستعمار
- حرب استقلال الجزائر والتعذيب الفرنسي
- الأبارتهايد في جنوب أفريقيا: هندسة قانونية للعنصرية
- تجارة الرقيق عبر الأطلسي: التاريخ والأرقام والإرث
- مذبحة باندا واحتكار جوزة الطيب الهولندي
- الكونغو البلجيكية: من فظائع ليوبولد إلى الاستعمار
- مجاعة البنغال 1943 والسياسة البريطانية
- برونزيات بنين ونهب التراث الأفريقي
- مؤتمر برلين وتقسيم أفريقيا
المصادر وقراءات إضافية
CC BY 4.0 ·